في لحظات الهدوء التي تسبق العاصفة، كانت محطة القطارات في مدينة هامبورغ الألمانية تضج بحركتها المعتادة؛ مسافرون يترقبون وصول رحلاتهم، وعائلات تودع أحباءها. لكن هذا السكون لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما تحول المشهد إلى ساحة من الذعر والفوضى إثر هجوم مباغت شنته امرأة تعاني من اضطرابات نفسية حادة.
دون سابق إنذار، بدأت السيدة بالهجوم على المارة عشوائياً مستخدمة أداة حادة كانت بحوزتها. وفي ثوانٍ معدودة، تعالت صرخات الأطفال، وتدافع الناس في كل اتجاه بحثاً عن مأمن، مخلفين وراءهم عشرات المصابين الذين سقطوا ضحية لتلك اللحظات المجنونة. ورغم وجود الحشود، إلا أن الصدمة والذهول شلا حركة الجميع، ليبقى المشهد رهيناً بانتظار تدخل ينقذ ما يمكن إنقاذه.
في تلك اللحظة الفارقة، وبينما كان الجميع يلوذ بالفرار، اتخذ الشاب السوري محمد المحمد قراراً مغايراً تماماً. لم يمنعه غياب السلاح أو خطورة الموقف من التدخل؛ بل اندفع نحو مصدر الخطر بقلب جسور، مواجهاً نوبات الغضب العارمة التي أظهرتها المهاجمة.
ببراعة وسرعة بديهة، تمكن محمد من السيطرة على المرأة وتثبيتها أرضاً، مجبراً إياها على إلقاء الأداة الحادة من يدها. لم يكن مجرد اشتباك جسدي، بل كان صراعاً مع الزمن للحيلولة دون سقوط ضحايا جدد، وهو ما نجح فيه بالفعل حين أحكم سيطرته عليها تماماً حتى وصول السلطات المختصة.
هذا الموقف البطولي لم يمر مرور الكرام، فقد تصدرت قصة محمد واجهة الإعلام الألماني. وأشادت صحيفة “دير شبيغل” المرموقة بشجاعته النادرة، واصفة إياه بـ”سوبرمان هامبورغ”. كما أعرب قائد الشرطة في المدينة عن تقديره العميق لهذا العمل الفدائي، معتبراً أن ما قام به محمد يعكس أسمى قيم الإنسانية والشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع الذي يحتضنه.
لقد استطاع محمد المحمد، بوقفته تلك، أن يغير الصورة النمطية ويثبت أن البطولة لا تعترف بالجنسية أو الموطن، بل هي معدن يتجلى في أحلك الظروف، وتحول من مجرد لاجئ يبحث عن الأمان، إلى بطل يمنح الأمان للآخرين، تاركاً بصمة فخر لن ينساها سكان مدينة هامبورغ.