لطالما كانت المواقف العفوية هي الاختبار الحقيقي لمعادن الرجال، وهذا ما جسده الشاب السوري فهد الكتبي، المقيم في جمهورية مصر العربية، حينما تحول من عابر سبيل إلى صاحب مبادرة ملهمة أعادت الأمان لآلاف المارة في مدينة العبور شمال العاصمة القاهرة. القصة لم تكن مجرد تنظيف لمرفق عام، بل كانت درساً في الانتماء والمسؤولية المجتمعية التي تتجاوز حدود الجنسية والجغرافيا.
بدأت الحكاية في يوم عادي أثناء عودة فهد (19 عاماً) من عمله، حيث استوقفه مشهد سيدة مسنة تحاول بجهد عبور طريق سريع يضج بالسيارات المسرعة، متجنبة استخدام نفق المشاة القريب. وعندما سألها فهد عن السبب، أخبرته بمرارة أن النفق أصبح “خارج الخدمة” فعلياً بسبب تراكم النفايات والقاذورات التي جعلت الدخول إليه أمراً مستحيلاً. هذا الموقف لم يمر على فهد مرور الكرام؛ فبعد أن ساعدها في عبور الطريق، قطع على نفسه وعداً أمامها بأنه سيعيد تأهيل هذا النفق ليكون آمناً لها ولغيرها من كبار السن والأطفال.
وفاءً بوعده، استغل فهد أول يوم إجازة له، وانطلق بمفرده مزوداً بأدوات تنظيف بسيطة وأكياس كبيرة. استغرق العمل ساعات من الجهد البدني الشاق، نجح خلالها في إزالة كميات ضخمة من المخلفات بلغت نحو سبعة أكياس كبيرة، ليعيد للنفق رونقه ونظافته. ولم يكتفِ بذلك، بل قام بوضع لافتات تحفيزية تحث المارة على الحفاظ على نظافة المكان، مؤكداً أن هذه المرافق وجدت لحمايتهم من مخاطر العبور العشوائي، وأن الحفاظ عليها هو واجب تشاركي.
وعندما سُئل فهد عن الدافع وراء تصوير المبادرة ونشرها تحت شعار “ليست قمامتي لكنه وطني”، أكد أن هدفه لم يكن الشهرة قط، بل أراد إرسال رسالة إيجابية وحث الآخرين على التطوع. وبالفعل، أثمرت هذه المبادرة عن تفاعل واسع من الشعب المصري، وأعلن فهد عن نيته تأسيس جمعية شبابية تضم متطوعين للقيام بأعمال مشابهة بصفة دورية، مؤكداً أن مصر هي وطنه الثاني الذي احتضنه، وأن رد الجميل يكون بالعمل الصالح وترك أثر طيب في كل مكان يحل فيه.